الشيخ محمد رشيد رضا
82
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما تخفى صدورهم منها أكبر مما يفيض على ألسنتهم من الدلائل عليها ، وهذا النوع من البغضاء والعداوة مما يلقاه القائمون بكل دعوة جديدة في الاصلاح ممن يدعونهم إليه ؛ وما كان المسلمون الأولون يعرفون سنة البشر في ذلك إذ لم يكونوا على علم بطبائع الملل وقوانين الاجتماع وحوادث التاريخ حتى أعلمهم اللّه به ولذلك قال ( قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) يعنى بالآيات هنا العلامات الفارقة بين من يصح أن يتخذ بطانة ومن لا يصح أن يتخذ لخيانته وسوء عاقبة مباطنته . أي إن كنتم تدركون حقائق هذه الآيات والفصول الفارقة بين الأعداء والأولياء فاعتبروا بها ولا تتخذوا أولئك بطانه وأنت ترى أن هذه الصفات التي وصف بها من نهى عن اتخاذهم بطانة أو فرض أن اتصف بها من هو موافق لك في الدين والجنس والنسب لما جاز لك أن تتخذه بطانة لك إن كنت تعقل ، فما أعدل هذا القرآن الحكيم وما أعلى هديه وأسمى إرشاده ؟ لقد خفى على بعض الناس هذه التعليلات والقيود فظنوا أن النهى عن المخالف في الدين مطلقا ، ولو جاء هذا النهى مطلقا لما كان أمرا غريبا ونحن نعلم أن الكافرين كانوا إلبا على المؤمنين في أول ظهور الاسلام إذ نزلت هذه الآيات لا سيما اليهود الذين نزلت فيهم على رأى المحققين . ولكن الآيات جاءت مقيدة بتلك القيود لان اللّه تعالى - وهو منزلها - يعلم ما يعترى الأمم وأهل الملل من التغير في الموالاة والمعاداة كما وقع من هؤلاء اليهود فإنهم بعد أن كانوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا في أول ظهور الاسلام قد انقلبوا فصاروا عونا للمسلمين في بعض فتوحاتهمكفتح الأندلس ) وكذلك كان القبط عونا للمسلمين على الروم في مصر فكيف يجعل عالم الغيب والشهادة الحكم على هؤلاء واحدا في كل زمان ومكان أبد الأبيد ؟ ألا إن هذا مما تنبذه الدراية ، ولا تروى غلته الرواية ، فان أرجح التفسير المأثور يؤيد ما قلنا . قال ابن جرير يرد على قتادة القائل بأن الآية في المنافقين ويؤيد رأيه الموافق لما اخترناه ما نصه « ان اللّه تعالى ذكره إنما نهى المؤمنين أن يتخذوا بطانة ممن قد عرفوه